حسن حسن زاده آملى
198
عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون
هدايته » . هذا ما أردنا من نقل ديباجة الرسالة ، ثم شرع في تحرير الفصل الأول فقال : الفصل الأول في اثبات أن جوهر الناس مغائر لجوهر البدن ، فنقول : المراد بالنفس ما يشير إليه كل أحد بقول : « أنا » . وقد اختلف أهل العلم في أن المشار إليه بهذا اللفظ هو هذا البدن المشاهد المحسوس أو غيره . أما الأول فقد ظن أكثر الناس وكثير من المتكلمين أن الإنسان هو هذا البدن ، وكل أحد فأنما يشير إليه بقوله : « أنا » . فهذا ظن فاسد لما سنبيّنه . والقائلون بأنه غير هذا البدن المحسوس اختلفوا ؛ فمنهم من قال : « إنه غير جسم ولا جسماني ، بل هو جوهر روحاني فاض على هذا القلب وأحياه ، واتخذه آلة في اكتساب المعارف والعلوم ، حتى يستكمل جوهره بها ، ويصير عارفا بربه ، عالما بحقائق معلوماته ، فيستعدّ بذلك للرجوع إلى حضرته ، ويصير ملكا من ملائكته في سعادة لا نهاية لها ؛ وهذا هو مذهب الحكماء الإلهيين والعلماء الربانيين ، ووافقهم في ذلك جماعة من أرباب الرياضة وأصحاب المكاشفة ، فإنهم شاهدوا جواهر أنفسهم عند انسلاخهم عن أبدانهم واتصالهم بالأنوار الإلهية . ولنا في صحة هذا المذهب من حيث البحث والنظر براهين : البرهان الأول : تأمل أيها العاقل في أنك اليوم في نفسك هو الذي كان موجودا جميع عمرك حتى أنك تتذكر كثيرا ممّا جرى من أحوالك ، فأنت إذن ثابت مستمر لا شك في ذلك ، وبدنك وأجزاؤه ليس ثابتا مستمرّا ، بل هو أبدا في التحلّل والإنتفاص . ولهذا يحتاج الإنسان إلى الغذاء بدل ما تحلّل من بدنه ، فإن البدن حار رطب ، والحار إذا أثر في الرطب تحلّل جوهره حتى فنى بكليته ، كما يوقد عليه النار دائما فإنه ينحل إلى أن لا يبقى منه شيء ؛ ولهذا لو حبس عن الإنسان الغذاء مدة قليلة نزل وانتقص قريب من ربع بدنه . فتعلم نفسك أن في مدة عشرين سنة لم يبق شيء من أجزاء بدنك ، وأنت تعلم بقاء ذاتك في هذه المدة ، بل جميع عمرك ، فذاتك مغائرة لهذا البدن وأجزائه الظاهرة والباطنة . فهذا برهان عظيم يفتح لنا باب الغيب فإنّ جوهر النفس غائب عن الحواس والأوهام . فمن تحقق عنده هذا البرهان وتصوره في نفسه تصورا حقيقيّا فقد أدرك ما غاب عن غيره .